تقديم مدرسة نوبير الاموي

من محاكمته على خلفية استجواب البايس و مطالبته بملك يسود و لا يحكم مع الاساتذة الاجلاء المرحومين الصبري و بوزبع و الاستاذ طبيح اطال الله عمره...

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

البورجوازية الكمبرادورية المغربية وحزب الاستقلال: شراكة تأسيسية في مرحلة ما بعد الاستقلال

 












البورجوازية الكمبرادورية المغربية وحزب الاستقلال: شراكة تأسيسية في مرحلة ما بعد الاستقلال

مقدمة: السياق التاريخي للتكوين

بعد نيل المغرب استقلاله "الشكلي" عام 1956، وجدت النخبة السياسية الحاكمة نفسها أمام تحدٍ مزدوج: بناء دولة حديثة مع الحفاظ على مصالح القوى الاستعمارية السابقة. في هذا السياق، تحالف حزب الاستقلال (الذي قاد الحركة الوطنية) مع النخب الاقتصادية الناشئة لتشكيل النواة الأولى للبورجوازية الكمبرادورية المغربية الحديثة. هذه الشراكة لم تكن مصادفة، بل كانت استراتيجية واعية لبناء قاعدة اقتصادية موالية للنظام الجديد.

دور حزب الاستقلال في تأسيس البورجوازية الكمبرادورية

1. عملية "المغربة" الاقتصادية

قام حزب الاستقلال، بقيادة علال الفاسي ومحمد بوستة، ب:

  • تنفيذ سياسة نقل ملكية المؤسسات الاقتصادية من المستعمرين الفرنسيين والإسبان إلى أيدي مقربين من الحزب والنخبة الحاكمة

  • تبرير هذه العملية تحت شعار "استرجاع الثروة الوطنية" بينما استفادت منها فئة محددة

  • إنشاء شبكة مصالح بين القيادة السياسية والنخب الاقتصادية الناشئة

2. التحالف مع الملكية

تحول حزب الاستقلال من قيادة الحركة الوطنية إلى شريك في السلطة مع الملك محمد الخامس ثم الحسن الثاني، حيث:

  • أصبح أداة لشرعنة السياسات الاقتصادية الجديدة

  • وفر الغطاء السياسي لتشكيل التحالفات الاقتصادية

  • ساهم في تهميش التيارات اليسارية التي نادت بتأميم الثروات وتوزيعها

3. بناء شبكات المحسوبية

أنشأ الحزب نظاماً للمحسوبية يربط بين:

  • المناصب الحكومية التي شغلها أعضاء الحزب

  • الرخص والامتيازات الاقتصادية

  • التمويل السياسي للحزب من خلال الأعمال التجارية

أبرز أقطاب البورجوازية الكمبرادورية المرتبطة بحزب الاستقلال

1. كريم العمراني: رمز التحالف السياسي-الاقتصادي

  • خلفيته: ابن أحد قادة حزب الاستقلال، تلقى تعليماً فرنسياً راقياً

  • دوره: أصبح وزيراً للاقتصاد والمالية في عقدي الستينات والسبعينات

  • إسهاماته:

    • صمم سياسة "المغربة" التي حولت المؤسسات من الأجانب إلى النخبة المحلية

    • وضع السياسات الجمركية والضريبية التي خدمت مصالح المستوردين

    • قاد مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة مع أوروبا

  • تناقضاته: بين خطاب وطني يرفع شعار "الاستقلال الاقتصادي" وممارسات تعمق التبعية للخارج

2. عائلة العلمي: من النضال الوطني إلى الامتياز الاقتصادي

  • محمد العلمي: أحد قادة حزب الاستقلال، وزير سابق

  • عبد الهادي العلمي: ابن محمد، تطور من سياسي إلى رجل أعمال

  • شبكة مصالحهم:

    • وكلاء لكبرى الشركات الفرنسية في قطاع السيارات والمواد الغذائية

    • استثمارات في القطاع العقاري والسياحي

    • تحالفات مع رأس المال السعودي والإماراتي

3. محمد كريم العمراني (نموذج آخر)

  • ليس الوزير السابق، بل رجل أعمال من الجيل الثاني

  • يمثل استمرارية التحالفات عبر الأجيال

  • توسع في قطاعات البناء والعقار باستخدام رأس المال السياسي للعائلة

الشركات الرمزية: أونا ومناجم

1. مجموعة "أونا" (Omnium Nord Africain سابقاً)

  • الأصول: أسسها المستعمر الفرنسي لوي أليكساندر دي فريش عام 1919

  • عملية التحول: بعد الاستقلال، انتقلت إدارتها تدريجياً إلى أيدي مقربة من السلطة

  • التركيبة الاقتصادية:

    • احتكارات في قطاعات متنوعة (الأسمنت، الأغذية، التوزيع)

    • شراكات مع كبرى الشركات الفرنسية والأمريكية

    • تحكم في سلسلة القيمة من الاستيراد إلى التوزيع

  • الدور الكمبرادوري:

    • بوابة رئيسية للاستثمار الأجنبي في المغرب

    • أداة لاحتلال الأسواق المحلية من قبل المنتجات الأجنبية

    • عرقلة التنمية الصناعية الوطنية المستقلة

2. المكتب الشريف للفوسفاط (ليس مناجم تقليدية لكنه نموذج للرأسمالية الموجهة)

  • السياق: ورثت الدولة المغربية مناجم الفوسفاط من الاستعمار

  • إدارته: أسندت إلى تقنيين فرنسيين في البداية، ثم إلى نخبة مغربية مرتبطة بالسلطة

  • النموذج الكمبرادوري ضمن الدولة:

    • تصدير المادة الخام (الفوسفاط) دون تحويل صناعي عميق

    • اعتماد على الخبرة الأجنبية في التسويق والتكنولوجيا

    • تحالفات مع شركات كيميائية عالمية (مثل شركة بيكر هيوز الأمريكية)

الآليات الاقتصادية والسياسية

1. آلية الامتيازات الاحتكارية

  • منح رخص استيراد حصرية لمقربي الحزب والسلطة

  • توزيع وكالات العلامات العالمية على أساس الولاء السياسي

  • استخدام المناصب الوزارية لسن قوانين تخدم مصالح فئة محددة

2. آلية التمويل المشترك

  • قروض ميسرة من البنوك العمومية (البنك الشعبي، القرض العقاري والسياحي)

  • استثمارات مشتركة مع رأس المال الفرنسي الذي احتفظ بنصيب الأسد

  • تحويل الأموال العمومية إلى مشاريع خاصة من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص

3. آلية التبرير الأيديولوجي

  • خطاب "الوطنية الاقتصادية" الذي يخفي المصالح الخاصة

  • اتهام المعارضين بالشيوعية الالحاد والتخريب

  • استخدام وسائل الإعلام الموالية لتلميع صورة "رجال الأعمال الوطنيين"

التناقضات والانتقادات

1. تناقض الخطاب والممارسة

  • بين شعار "تحرير الاقتصاد الوطني" وواقع تعميق التبعية للخارج

  • بين دعوى "محاربة الاستعمار الاقتصادي" والتعاون مع مصالحه

  • بين خطاب "العدالة الاجتماعية" وتركيز الثروة في أياد قليلة

  • محاربة العمل النقابي و استغلال الطبقة العاملة ابشع استغلال و فرض قوانين مزحفة

2. التداعيات التنموية

  • إعاقة التصنيع: تفضيل الاستيراد على الإنتاج المحلي

  • تشويه الهيكل الاقتصادي: نمو قطاع الخدمات والوساطة على حساب الإنتاج

  • تكريس التبعية: اعتماد تقني وسوقي على المراكز الرأسمالية

3. الانعكاسات الاجتماعية

  • اتساع الفوارق الطبقية

  • تفشي المحسوبية والفساد

  • تهميش مناطق وفئات اجتماعية كاملة

التطور اللاحق والتحولات

1. تبلور الطبقة الكمبرادورية

مع مرور الوقت، تحولت هذه النخبة من:

  • رجال سياسة يديرون أعمالاً جانبياً

  • إلى طبقة اقتصادية مستقلة ذات مصالح متجذرة

  • إلى شريك أساسي في الحكم يتشارك السلطة مع الملكية

2. توسيع القاعدة

انضمت عائلات أخرى إلى هذه الطبقة:

  • عائلة بنصالح (في الإعلام والعقار)

  • عائلة الإدريسي (في الصيدلة والتوزيع الطبي)

  • عائلة السقاط (في البناء والأشغال العمومية)

  • و غيرهم كثير تقريبا 200 عائلة متصاهرة في ما بينها

3. الانتقال من حزب الاستقلال إلى دوائر أوسع

  • أصبحت مصالح هذه الطبقة فوق الأحزاب

  • تحالفات مع كل الأحزاب الحاكمة بغض النظر عن توجهاتها

  • اندماج في الشبكات العالمية للرأسمال الكمبرادوري

خاتمة: إرث تاريخي مستمر

شكل تحالف حزب الاستقلال مع النخب الاقتصادية الناشئة بعد الاستقلال لحظة تأسيسية في تكوين البورجوازية الكمبرادورية المغربية. لقد تحول الحزب من قائد للنضال الوطني إلى أداة لشرعنة نموذج اقتصادي ريعي تبعي.

الرمزية العميقة لهذه التحالف تكمن في أنه مثل "استقلالاً" للنخب على حساب الشعب، حيث انتقلت الثروة والسلطة من المستعمر الأجنبي إلى نخبة محلية دون تغيير جوهري في طبيعة الاقتصاد التبعي.

اليوم، ورغم التغيرات السياسية والاقتصادية، لا تزال آثار هذه المرحلة التأسيسية حية في:

  • هيمنة نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد والوساطة

  • استمرارية التحالفات بين النخب السياسية والاقتصادية

  • صعوبة تحقيق قطيعة مع النموذج التنموي التبعي

قصة البورجوازية الكمبرادورية المغربية وحزب الاستقلال تذكرنا بأن الاستقلال السياسي لا يعني تلقائياً الاستقلال الاقتصادي، وأن النضال من أجل التحرر الحقيقي يتطلب مواجهة ليس فقط الهيمنة الأجنبية، بل أيضاً التحالفات الداخلية التي تستفيد من إدامة التبعية.







الأحد، 21 ديسمبر 2025

البورجوازية الكمبرادورية: المفهوم، النشأة، الوظيفة، والآثار في المجتمعات التابعة

 


البورجوازية الكمبرادورية: المفهوم، النشأة، الوظيفة، والآثار في المجتمعات التابعة

مقدمة

تُعدّ البورجوازية الكمبرادورية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر السياسي والاقتصادي النقدي، لا سيما في الأدبيات الماركسية ونظريات التبعية. ويُستخدم هذا المصطلح لوصف شريحة اجتماعية-اقتصادية داخل البلدان النامية أو التابعة، ارتبطت مصالحها العضوية بالرأسمال الأجنبي وبالاقتصاد العالمي المهيمن، على حساب التنمية الوطنية والسيادة الاقتصادية.

لا تشير البورجوازية الكمبرادورية إلى فئة تجارية عادية، بل إلى طبقة وسيطة تؤدي وظيفة بنيوية في إعادة إنتاج التبعية، وتشكّل أحد أعمدة الاختلال البنيوي في اقتصادات العالم الثالث.

أولًا: تعريف البورجوازية الكمبرادورية

1. المعنى اللغوي والتاريخي

كلمة كمبرادور (Comprador) أصلها برتغالي وتعني المشتري، وقد استُخدمت في القرن التاسع عشر لوصف الوسطاء المحليين الذين كانوا يتعاملون مع الشركات الاستعمارية الأوروبية، خاصة في الصين والهند وأمريكا اللاتينية.

2. التعريف الاصطلاحي

البورجوازية الكمبرادورية هي:

طبقة من الرأسماليين المحليين ترتبط مصالحها الاقتصادية والسياسية بالرأسمال الأجنبي، وتعمل كوسيط بينه وبين السوق المحلي، دون أن يكون لها مشروع إنتاجي وطني مستقل.

ثانيًا: الفرق بين البورجوازية الوطنية والكمبرادورية

البورجوازية الوطنية                   البورجوازية الكمبرادورية
تسعى لبناء صناعة وطنيةتكتفي بالاستيراد والوساطة
لها مصلحة في السوق الداخليةمرتبطة بالسوق الخارجية
قد تصطدم بالإمبرياليةتتحالف معها
تميل إلى التصنيعتميل إلى التجارة والريع

ثالثًا: النشأة التاريخية للبورجوازية الكمبرادورية

1. في المرحلة الاستعمارية

نشأت البورجوازية الكمبرادورية في ظل الاستعمار المباشر، حيث:

  • كانت القوى الاستعمارية بحاجة إلى وسطاء محليين

  • أُسنِدت إليهم مهام التوريد، التصدير، والخدمات اللوجستية

  • تشكّلت ثرواتهم دون إنتاج حقيقي

2. في مرحلة ما بعد الاستقلال

بعد الاستقلال السياسي:

  • لم يختفِ الدور الكمبرادوري

  • بل أُعيد إنتاجه في شكل تبعية اقتصادية

  • تحولت الدولة الوطنية إلى أداة بيد هذه الطبقة

رابعًا: الخصائص الاقتصادية للبورجوازية الكمبرادورية

  1. غياب الاستثمار الإنتاجي

    • تفضّل التجارة، الاستيراد، العقارات، والخدمات الريعية

  2. الارتهان للرأسمال الأجنبي

    • شراكات مع شركات متعددة الجنسيات

  3. اقتصاد الوساطة

    • لا تُنتج، بل تنقل السلع والأموال

  4. تحويل الأرباح للخارج

    • استنزاف العملة الصعبة

  5. رفض المخاطرة الصناعية

    • تفضيل الربح السريع والمضمون

خامسًا: الدور السياسي للبورجوازية الكمبرادورية

1. التحالف مع السلطة

  • تشكّل جزءًا من النخبة الحاكمة

  • تموّل الأنظمة مقابل الامتيازات

2. معاداة التغيير الجذري

  • تعارض الإصلاحات الصناعية

  • تحارب السياسات الحمائية

  • تقاوم العدالة الاجتماعية

3. تشويه الوعي العام

  • الترويج لخطاب "الانفتاح"

  • شيطنة الدولة التنموية

  • تبرير التبعية باسم العولمة

سادسًا: البورجوازية الكمبرادورية ونظرية التبعية

يرى منظّرو التبعية (أندريه غوندر فرانك، سمير أمين…) أن:

  • التخلف ليس مرحلة

  • بل نتاج علاقة تبعية

  • والبورجوازية الكمبرادورية هي الأداة المحلية لهذه العلاقة

فالمركز الرأسمالي لا يحكم الأطراف بالقوة فقط،
بل عبر نخب محلية تستفيد من الوضع القائم.

سابعًا: الآثار الاجتماعية والاقتصادية

  1. تعميق الفوارق الطبقية

  2. إضعاف الطبقة الوسطى

  3. فشل مشاريع التصنيع

  4. تآكل السيادة الاقتصادية

  5. هجرة الكفاءات

  6. اقتصاد هش تابع للتقلبات الخارجية

ثامنًا: البورجوازية الكمبرادورية في السياق العربي

في كثير من الدول العربية:

  • ارتبطت الكمبرادورية بالنفط أو الاستيراد

  • نشأت تحالفات بين:

    • المال

    • السلطة

    • الخارج

  • ففشلت مشاريع التنمية المستقلة

  • وتكرّس اقتصاد الريع والاستهلاك

تاسعًا: نقد المفهوم وحدوده

1. الانتقادات

  • التعميم المفرط

  • تغيّر طبيعة الرأسمالية

  • وجود أشكال هجينة

2. مع ذلك

لا يزال المفهوم:

  • صالحًا للتحليل

  • مفيدًا لفهم بنية التبعية

  • كاشفًا لوظيفة النخب الاقتصادية

عاشرًا: تجاوز البورجوازية الكمبرادورية




يتطلب ذلك:

  1. دولة تنموية قوية

  2. سياسة صناعية وطنية

  3. إصلاح ضريبي عادل

  4. دعم الإنتاج لا الاستيراد

  5. تحالف اجتماعي جديد (عمال + طبقة وسطى + رأسمال وطني)

خاتمة

ليست البورجوازية الكمبرادورية مجرد فئة اقتصادية، بل ظاهرة بنيوية مرتبطة بتاريخ الاستعمار واستمرار التبعية بأشكال جديدة. وفهمها ليس تمرينًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي مشروع تحرر اقتصادي وتنمية حقيقية.

فالتنمية لا تُستورد،
والسيادة لا تُشترى،
والاقتصاد لا يُبنى بالوساطة بل بالإنتاج.

صورة لها تاريخ

صورة لها تاريخ