البورجوازية الكمبرادورية المغربية وحزب الاستقلال: شراكة تأسيسية في مرحلة ما بعد الاستقلال
مقدمة: السياق التاريخي للتكوين
بعد نيل المغرب استقلاله "الشكلي" عام 1956، وجدت النخبة السياسية الحاكمة نفسها أمام تحدٍ مزدوج: بناء دولة حديثة مع الحفاظ على مصالح القوى الاستعمارية السابقة. في هذا السياق، تحالف حزب الاستقلال (الذي قاد الحركة الوطنية) مع النخب الاقتصادية الناشئة لتشكيل النواة الأولى للبورجوازية الكمبرادورية المغربية الحديثة. هذه الشراكة لم تكن مصادفة، بل كانت استراتيجية واعية لبناء قاعدة اقتصادية موالية للنظام الجديد.
دور حزب الاستقلال في تأسيس البورجوازية الكمبرادورية
1. عملية "المغربة" الاقتصادية
قام حزب الاستقلال، بقيادة علال الفاسي ومحمد بوستة، ب:
تنفيذ سياسة نقل ملكية المؤسسات الاقتصادية من المستعمرين الفرنسيين والإسبان إلى أيدي مقربين من الحزب والنخبة الحاكمة
تبرير هذه العملية تحت شعار "استرجاع الثروة الوطنية" بينما استفادت منها فئة محددة
إنشاء شبكة مصالح بين القيادة السياسية والنخب الاقتصادية الناشئة
2. التحالف مع الملكية
تحول حزب الاستقلال من قيادة الحركة الوطنية إلى شريك في السلطة مع الملك محمد الخامس ثم الحسن الثاني، حيث:
أصبح أداة لشرعنة السياسات الاقتصادية الجديدة
وفر الغطاء السياسي لتشكيل التحالفات الاقتصادية
ساهم في تهميش التيارات اليسارية التي نادت بتأميم الثروات وتوزيعها
3. بناء شبكات المحسوبية
أنشأ الحزب نظاماً للمحسوبية يربط بين:
المناصب الحكومية التي شغلها أعضاء الحزب
الرخص والامتيازات الاقتصادية
التمويل السياسي للحزب من خلال الأعمال التجارية
أبرز أقطاب البورجوازية الكمبرادورية المرتبطة بحزب الاستقلال
1. كريم العمراني: رمز التحالف السياسي-الاقتصادي
خلفيته: ابن أحد قادة حزب الاستقلال، تلقى تعليماً فرنسياً راقياً
دوره: أصبح وزيراً للاقتصاد والمالية في عقدي الستينات والسبعينات
إسهاماته:
صمم سياسة "المغربة" التي حولت المؤسسات من الأجانب إلى النخبة المحلية
وضع السياسات الجمركية والضريبية التي خدمت مصالح المستوردين
قاد مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة مع أوروبا
تناقضاته: بين خطاب وطني يرفع شعار "الاستقلال الاقتصادي" وممارسات تعمق التبعية للخارج
2. عائلة العلمي: من النضال الوطني إلى الامتياز الاقتصادي
محمد العلمي: أحد قادة حزب الاستقلال، وزير سابق
عبد الهادي العلمي: ابن محمد، تطور من سياسي إلى رجل أعمال
شبكة مصالحهم:
وكلاء لكبرى الشركات الفرنسية في قطاع السيارات والمواد الغذائية
استثمارات في القطاع العقاري والسياحي
تحالفات مع رأس المال السعودي والإماراتي
3. محمد كريم العمراني (نموذج آخر)
ليس الوزير السابق، بل رجل أعمال من الجيل الثاني
يمثل استمرارية التحالفات عبر الأجيال
توسع في قطاعات البناء والعقار باستخدام رأس المال السياسي للعائلة
الشركات الرمزية: أونا ومناجم
1. مجموعة "أونا" (Omnium Nord Africain سابقاً)
الأصول: أسسها المستعمر الفرنسي لوي أليكساندر دي فريش عام 1919
عملية التحول: بعد الاستقلال، انتقلت إدارتها تدريجياً إلى أيدي مقربة من السلطة
التركيبة الاقتصادية:
احتكارات في قطاعات متنوعة (الأسمنت، الأغذية، التوزيع)
شراكات مع كبرى الشركات الفرنسية والأمريكية
تحكم في سلسلة القيمة من الاستيراد إلى التوزيع
الدور الكمبرادوري:
بوابة رئيسية للاستثمار الأجنبي في المغرب
أداة لاحتلال الأسواق المحلية من قبل المنتجات الأجنبية
عرقلة التنمية الصناعية الوطنية المستقلة
2. المكتب الشريف للفوسفاط (ليس مناجم تقليدية لكنه نموذج للرأسمالية الموجهة)
السياق: ورثت الدولة المغربية مناجم الفوسفاط من الاستعمار
إدارته: أسندت إلى تقنيين فرنسيين في البداية، ثم إلى نخبة مغربية مرتبطة بالسلطة
النموذج الكمبرادوري ضمن الدولة:
تصدير المادة الخام (الفوسفاط) دون تحويل صناعي عميق
اعتماد على الخبرة الأجنبية في التسويق والتكنولوجيا
تحالفات مع شركات كيميائية عالمية (مثل شركة بيكر هيوز الأمريكية)
الآليات الاقتصادية والسياسية
1. آلية الامتيازات الاحتكارية
منح رخص استيراد حصرية لمقربي الحزب والسلطة
توزيع وكالات العلامات العالمية على أساس الولاء السياسي
استخدام المناصب الوزارية لسن قوانين تخدم مصالح فئة محددة
2. آلية التمويل المشترك
قروض ميسرة من البنوك العمومية (البنك الشعبي، القرض العقاري والسياحي)
استثمارات مشتركة مع رأس المال الفرنسي الذي احتفظ بنصيب الأسد
تحويل الأموال العمومية إلى مشاريع خاصة من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص
3. آلية التبرير الأيديولوجي
خطاب "الوطنية الاقتصادية" الذي يخفي المصالح الخاصة
اتهام المعارضين بالشيوعية الالحاد والتخريب
استخدام وسائل الإعلام الموالية لتلميع صورة "رجال الأعمال الوطنيين"
التناقضات والانتقادات
1. تناقض الخطاب والممارسة
بين شعار "تحرير الاقتصاد الوطني" وواقع تعميق التبعية للخارج
بين دعوى "محاربة الاستعمار الاقتصادي" والتعاون مع مصالحه
بين خطاب "العدالة الاجتماعية" وتركيز الثروة في أياد قليلة
محاربة العمل النقابي و استغلال الطبقة العاملة ابشع استغلال و فرض قوانين مزحفة
2. التداعيات التنموية
إعاقة التصنيع: تفضيل الاستيراد على الإنتاج المحلي
تشويه الهيكل الاقتصادي: نمو قطاع الخدمات والوساطة على حساب الإنتاج
تكريس التبعية: اعتماد تقني وسوقي على المراكز الرأسمالية
3. الانعكاسات الاجتماعية
اتساع الفوارق الطبقية
تفشي المحسوبية والفساد
تهميش مناطق وفئات اجتماعية كاملة
التطور اللاحق والتحولات
1. تبلور الطبقة الكمبرادورية
مع مرور الوقت، تحولت هذه النخبة من:
رجال سياسة يديرون أعمالاً جانبياً
إلى طبقة اقتصادية مستقلة ذات مصالح متجذرة
إلى شريك أساسي في الحكم يتشارك السلطة مع الملكية
2. توسيع القاعدة
انضمت عائلات أخرى إلى هذه الطبقة:
عائلة بنصالح (في الإعلام والعقار)
عائلة الإدريسي (في الصيدلة والتوزيع الطبي)
عائلة السقاط (في البناء والأشغال العمومية)
و غيرهم كثير تقريبا 200 عائلة متصاهرة في ما بينها
3. الانتقال من حزب الاستقلال إلى دوائر أوسع
أصبحت مصالح هذه الطبقة فوق الأحزاب
تحالفات مع كل الأحزاب الحاكمة بغض النظر عن توجهاتها
اندماج في الشبكات العالمية للرأسمال الكمبرادوري
خاتمة: إرث تاريخي مستمر
شكل تحالف حزب الاستقلال مع النخب الاقتصادية الناشئة بعد الاستقلال لحظة تأسيسية في تكوين البورجوازية الكمبرادورية المغربية. لقد تحول الحزب من قائد للنضال الوطني إلى أداة لشرعنة نموذج اقتصادي ريعي تبعي.
الرمزية العميقة لهذه التحالف تكمن في أنه مثل "استقلالاً" للنخب على حساب الشعب، حيث انتقلت الثروة والسلطة من المستعمر الأجنبي إلى نخبة محلية دون تغيير جوهري في طبيعة الاقتصاد التبعي.
اليوم، ورغم التغيرات السياسية والاقتصادية، لا تزال آثار هذه المرحلة التأسيسية حية في:
هيمنة نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد والوساطة
استمرارية التحالفات بين النخب السياسية والاقتصادية
صعوبة تحقيق قطيعة مع النموذج التنموي التبعي
قصة البورجوازية الكمبرادورية المغربية وحزب الاستقلال تذكرنا بأن الاستقلال السياسي لا يعني تلقائياً الاستقلال الاقتصادي، وأن النضال من أجل التحرر الحقيقي يتطلب مواجهة ليس فقط الهيمنة الأجنبية، بل أيضاً التحالفات الداخلية التي تستفيد من إدامة التبعية.








